ابن قيم الجوزية

206

الروح

ذلك صار وقفا بفعله مع النية ولم يحتج إلى لفظ . وكذلك لو أعطى الفقير مالا بنية الزكاة سقطت عنه الزكاة وإن لم يتلفظ بها . وكذلك لو أدى عن غيره دينا حيا كان أو ميتا سقط من ذمته وإن لم يقل هذا عن فلان . فإن قيل : فهل يتعين عليه تعليق الإهداء بأن يقول : اللهم إن كنت قبلت هذا العمل وأثبتني عليه فاجعل ثوابه لفلان أم لا ؟ قيل : لا يتعين ذلك لفظا ولا قصدا بل لا فائدة في الشرط فإن اللّه سبحانه إنما يفعل هذا ، سواء شرطه أو لم يشرطه . فلو كان سبحانه يفعل غير هذا بدون الشرط كان في الشرط فائدة . وأما قوله : اللهم إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان ، فهو بناء على أن الثواب يقع للعامل ثم ينتقل منه إلى من أهدى له ، وليس كذلك بل إذا قوي حال الفعل أنه عن فلان وقع الثواب أولا عن المعمول له كما لو أعتق عبده عن غيره لا تقول إن الولاء يقع للمعتق ثم ينتقل منه إلى المعتق عنه فهكذا هذا . وباللّه التوفيق . فإن قيل : فما الأفضل أنه يهدي إلى الميت ؟ قيل : الأفضل ما كان أنفع في نفسه ، فالعتق عنه والصدقة أفضل من الصيام عنه ، وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أفضل الصدقة سقي الماء » وهذا موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش وإلا فسقي الماء على الأنهار لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة ، وكذلك الدعاء والاستغفار له إذا كان يصدق من الداعي وإخلاص وتضرع فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه ، كالصلاة على الجنازة والوقوف لدعاء على قبره . وبالجملة فأفضل ما يهدي إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار له والدعاء له والحج عنه . وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج .